مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

د. حاتم صادق

الخبير الدولي و الأستاذ بجامعة حلوان و رئيس شعبة الميكانيكا

نووي إيران وأوهام إسرائيل 

 

الجميع يتابع المحادثات النووية بين الوفدين الأمريكي والإيراني في العاصمة العمانية مسقط. ربما ما رشح عنها لا يشفي صدور المراقبين والمحللين، لكن المؤكد أنها لن تكون نسخة مما حدث عام 2015، سواء من ناحية النتائج أو التداعيات؛ على الأقل من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يردد دوماً أن الاتفاق النووي الذي وقعه الرئيس الديمقراطي باراك أوباما مع إيران بمثابة "كارثة"، بالتالي فإن أي اتفاق محتمل لن يقيد طموحات طهران النووية، ويقضي أو يجمد -على أقل تقدير- ترسانة صواريخها البالستية، سوف يكون كارثة، وهذه المرة على ترامب وإدارته. لذلك تظل المفاوضات التي تجرى تحت نار الحشد العسكري الأمريكي المتزايد على مدار الساعة مجرد أداة إذعان، سرعان ما ستتحول إلى سلاح يمتلك مبررات القتل والتدمير، مشفوعاً بعدم رضوخ النظام الإيراني للشروط والإملاءات الأمريكية.
هذه الجولة من المحادثات تميزت بخطوط حمراء أكثر صرامة، وانعدام ثقة أعمق، وقلة صبر استراتيجي من جميع الأطراف، مع هامش خطأ ضئيل للغاية قد يؤدي تجاوزه إلى ما لا يحمد عقباه. أيضاً ما تميزت به هو استبعاد أي دور أوروبي بعكس اتفاق 2015، وهو ما يبدو أنه عقاب من ترامب للاتحاد الأوروبي الذي تعطلت بينهما لغة الحوار بعد أزمة "جرينلاند"، وربما وجدت أوروبا هذا العقاب فرصة لرفع الحرج عنها، وهي التي ترفض الانجرار في حرب شرق أوسطية لا خاسر فيها ولا مهزوم مع قوة إقليمية تربطها علاقات عمل مع كل من طهران وحلف شمال الأطلسي.
أما بالمفاوضات الجارية بالنسبة لإيران، فهي تسعى إلى كسب الوقت وتجميد العمل العسكري الوشيك مقابل تنازلات تأمل ألا تكون مؤلمة وتدفع ثمنها فيما بعد، سواء على المستوى الداخلي عندما تصبح مادة جيدة لتأليب الشارع ضد النظام، أو خارجياً عندما تجد نفسها وقد خسرت كل أوراقها في المنطقة دون أي مكاسب حقيقية.
لكن بالنسبة للولايات المتحدة، فإنها توفر منصة إقليمية تجنبها الظهور بمظهر المتراجع، مع الحفاظ على استمرار الدبلوماسية. في الوقت نفسه هي تدرك أن القوة ليست الحل الأمثل مع دولة في حجم إيران ولا جغرافيتها التي يصعب السيطرة عليها، مثلما حدث في غزو العراق 2003.
دخلت طهران المفاوضات بتفويض ضيق وصارم حول الملف النووي، مقابل الانفتاح المحدود والمقبول في ملفين؛ الأول: برنامج الصواريخ البالستية التي تعتبرها إيران ركيزة أساسية لقوتها الردعية في منطقة تعج بالقواعد الأمريكية. والثاني: "أذرع إيران" أو "محور المقاومة" التي تمثل ركيزة استراتيجية في عقيدتها الأمنية واستقرارها الإقليمي.
بغض النظر عما إذا كان هناك اتفاق أم لا، فإن المعضلة الأساسية تتمثل في أن إيران أعلنت بشكل قاطع أن تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية خط أحمر (أو "أمر واقع") بغض النظر عن النتيجة. وهذا بالضبط ما يكون قد تجاوزه الزمن، خاصة بعد حرب الـ 12 يوماً. أما اليوم، فقد يكون الخيار الواقعي الوحيد المتبقي، الذي خلفته موازين القوى، سيرتكز على وضع حدود وجداول زمنية وآليات تحقق وأنظمة مراقبة للبرنامج النووي والصاروخي. لم يعد النقاش يدور حول ما إذا كانت إيران تُخصب اليورانيوم، بل حول الكمية والسرعة وتحت إشراف جهة ما. هذا التحول وحده يُبرز مدى التغير الجذري في التوازن الاستراتيجي منذ عهد الاتفاق النووي.
هنا العامل الإسرائيلي سيكون حاضراً بقوة في المفاوضات الجارية؛ فأولوية واشنطن هي الاحتواء، وتخفيف التوترات، ومنع انفجار إقليمي، وكسب الوقت. أما أولوية إسرائيل فتتمثل في القضاء على ما تعتبره تهديداً وجودياً وتفكيكه، سواء للبرنامج النووي أو الصاروخي، وفوق هذا تغيير النظام.
فإذا وقعت الولايات المتحدة على اتفاق لا يضر بقدرات إيران الصاروخية وتحالفاتها الإقليمية، فإن الفجوة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب ستتسع بشكل حاد، والتاريخ يظهر أن مثل هذه الفجوات هي المكان الذي تزدهر فيه القرارات الأحادية. وهنا يكمن خطر التصعيد أو سوء التقدير أو المواجهة المباشرة في هذه المساحة الواقعة بين ضبط النفس الأمريكي والاستعجال الإسرائيلي.
دوائر صنع القرار في تل أبيب مشغولة الآن بفراغ القوة المتوقع بعد ضرب إيران، وكيف سيتم ملؤه سريعاً من جانب المستفيد الوحيد وهي إسرائيل بالطبع، التي ترى أن أمنها لم يعد مرهوناً بحدودها فقط، بل بعيداً ربما بآلاف الأميال شرقاً وغرباً وجنوباً، حيث يشهد الشرق الأوسط منعطفاً تاريخياً حاسماً. فبينما يضعف المحور الشيعي، تتصاعد قوة التطرف مهددةً استقرار المنطقة بأسرها. وفي عالم يتجه نحو صراع عالمي واسع النطاق، تقوم إسرائيل بتعديل استراتيجيتها من خلال إقامة تحالفات مع الأقليات والكيانات العرقية المحيطة بها في سوريا، العراق، وإيران، لتمنحها عمقاً استراتيجياً حيوياً، وقوة قتالية إضافية في الميدان، وأسساً اقتصادية للسيطرة على الطاقة وطرق التجارة. وبالنسبة لها، فإن هذه التحالفات هي المفتاح لخلق محور إقليمي يضمن لها الاستقرار في ظل واقع متغير. لكن تلك الاستراتيجية تصطدم مع "اتفاقات أبراهيم" التي تتبنى تحالفاً مفتوحاً مع الدول الرئيسية الرافضة للنزعات الانفصالية والعرقية، وهو ما سيؤدي إلى اتساع الخلاف مع الولايات المتحدة، وخاصة إدارة ترامب.
أوهام إسرائيل قد تواجه معضلات أخرى، أو لنقل إنها قفزت أكثر مما تحتمل قدراتها.. ففراغ القوة الذي تتحدث عنه سردياتها ما زال مرهوناً بحقيقة ثابتة، هي: "لا يمكن أن تقوم الدبلوماسية مع إيران على الإكراه أو القوة وحدها". لذا لم يعد السؤال هو ما إذا كانت إيران ستستسلم، فالإجابة معروفة. السؤال الآن هو: هل الولايات المتحدة مستعدة لقبول اتفاق مقيد بقيود إيران الصارمة، أم أن هذه المحادثات مجرد محطة أخيرة قبل تصعيد جديد؟ لأنه إذا انهارت الدبلوماسية، فلن يكون الانهيار سهلاً، وستدفع المنطقة ثمناً قد يتجاوز قدرة الجميع.